أبي منصور الماتريدي

220

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وما روي عن ابن مسعود قال : « إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ، ما منها حرف إلا وله ظهر وبطن ، وإن علي بن أبي طالب عنده من الظاهر والباطن » « 1 » . والآثار الكثيرة المروية عن علي - رضي الله عنه - تدل دلالة واضحة على فضله ومنزلته في التفسير ، ومدى الدور الذي اضطلع به في هذا الشأن . كما أنه يعتبر أول من وضع بفكره الثاقب ، ونظره الصادق في القرآن الكريم - اللبنة الأولى في منهج التفسير الموضوعي للقرآن الكريم الذي ما زال - حتى عصرنا هذا - يتحسس طريقه ، ويخطو خطواته الأولى عليه ، فقد كان علي - رضي الله عنه - يجمع الآيات في الموضوع الواحد ليستخلص منها جميعا حكما صادقا يفسر فيه القرآن بعضه بعضا « 2 » . يدل على هذا ما رواه ابن حزم من أن عليّا ذكر عثمان حين أراد إقامة حد الزنى على من وضعت بعد زواجها بستة أشهر بقول الله تعالى : وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً [ الأحقاف : 15 ] مع قوله : وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ [ البقرة : 233 ] ، فرجع عثمان عن إقامة الحد عليها » « 3 » . « أي أن عثمان حكم العادة الجارية من أنه لا تلد المرأة لأقل من سبعة أشهر ، فاعتبر ولادتها قبل ذلك قرينة لإقامة الحد عليها ، لكن عليّا يستدرك عليه ويتدارك الأمر ، حيث حكم القاعدة التي تدرأ الحدود بالشبهات ، وفهم من الآيتين السابقتين مجتمعتين أن مدة الحمل يمكن أن تكون ستة أشهر ، واعتبر ذلك شبهة تحول دون القطع بوقوع الزنى ، ومن ثم فلا يقع الحد » « 4 » . يتبين من خلال ما سبق البصمة الواضحة للإمام علي - رضي الله عنه - في التفسير ، وإسهامه الواضح في تطوره .

--> ( 1 ) أخرج طرفه الأول عن ابن مسعود مرفوعا البزار وأبو يعلى والطبراني في الأوسط ورجال أحدهما ثقات كما في مجمع الزوائد ( 7 / 155 ) ومن طريق آخر أخرجه ابن جرير في تفسيره ( 1 / 35 - 36 ) ( 10 ) . ( 2 ) ينظر : د . محمد إبراهيم شريف : بحوث في تفسير القرآن الكريم ص 55 . ( 3 ) الإحكام في أصول الأحكام ( طبع العاصمة بالقاهرة ، د . ت ) ( 2 / 146 ) ، وينظر : الشاطبي : الموافقات في أصول الشريعة ، تحقيق : محمد عبد الله دراز ( طبع بيروت ، 1975 ) ( 3 / 373 ) . ( 4 ) د . محمد إبراهيم شريف : بحوث في تفسير القرآن الكريم ص 56 .